الجمعة، 22 أبريل 2011

إلى متى... مواطن بدون درجة

إلى متى

تحت عنوان إلى متي.. سأقوم بتدوين بعض ما يجول بخاطري.. بدون قيود من الرقيب أو خوفاً من النوافذ المغلقة

مواطن بدون درجة


إلى متى ونحن نعيش مكممين الأفواه نخشي اللحظات والمجاهرة بالرأي وحرية الكلمة.

إلى متى ونحن ننتظر شفقة حاكم يمنحنا مزيد من الثقة وحرية الفرد في وطنه وأرضه وبيته.. وقد يكون هو مكانك الوحيد الذي تستطيع فيه التعبير عن رأيك وقول كلمتك ولا تخشي تلصص الجدران. لكنكم حتى هذه أصبحتم تحرموننا منها.

فهذا الطفل حينما يرى دموعي تنهمر وأنا خلف الشاشة أشاهد قتيل يسقط هنا أو هناك وأصرخ "كفي يا ربي" وأقذف الشتائم على الصمت والتآمر العربي على رغبتنا في الحرية والعيش الكريم.

أصبحت أخشي أن يكرر صغيري هذه المفردات في مدرسته فيتم فصله بتهمة التحريض على النظام.

إلى متى وأبني عليه أن يعيش حالة من التناقض بين البيت والمدرسة، أو على أن أصرخ بأنني لا ديني كي أتخلص من تعليمه أسس وعلوم طائفته "الشيعية" خوفاً من جهره بها في المدرسة "السنية" فيقومون بفصله من المدرسة وهو في السنة الثانية أو الثالثة.

إلى متى على أن أُحرف التاريخ له وأقول بأن القاتل كان حمامة سلام.. ونحن خرجنا نريد القتال.. وإذا تحدثت معه بما يمليه عقليالمتفتح سيتم إتهامه بالردة وربما القصاص.

فكم أب في بلادي ذهب ضحية طفله البريء وهو يتحدث بعفوية أمام المدرس الذي تحول إلى رجل أمن وحده يحب الوطن ونحن خارج الوطن.

إلى متى سأحلم كل صباح بأن أمارس حريتي في التعبير بحدٍ "معقول" نسبياً ولا أكتب في الصحيفة (التي أصبحت خارج الدائرة بجرة قلم من رجلٍ له حكم الوصاية والولاية على الوطن).. رأي يتماي مع متطلبات العقل وحب الإنسان وتراب الوطن لا تقديس الفرد.

كم بقي من العمر كي أحلم بأني سأصل إلى تلك اللحظة.. هرمنا وأحدودب الظهر بنا وبِهمْ، وزادت آلات القمع وقطع الجسور التي حلمنا ذذات يومٍ بأننا أصبحنا في منتصف الطريق كي نصل "الحد المعقول" من العلاقة بين الحاكم والمحكوم.

كيف على أن ألوم أبني الذي أختصر المسافات ورغب الهجرة وذهب بعيداً يرفض كل وسائل التوسل وخطابات "الإسترحام" للحصول على حقوقنا المشروعة، خطاب إسترحام للحصول على سكن، خطاب إسترحام للحصول على بعثة دراسية، خطاب إسترحام للنظر في حكم محكمة قام القاضي بإتخاذه نظراً لإنتمائي المذهبي.

كيف أكون صادقاً معه وأطلب منه عدم إتخاذ القرار وأنا أرزح تحت وطئة الضغوط اليومية والمعانة في التعبير عن الرأي والوصايا التي أقدمها لإطفالي كل صباح.. كن حذراً، ولا تدخل في حوار طائفي، صلي معهم، لا تقل لا تناقش خارج الدرس، وحينما تكون وحيداً أنزوي عند أقرب جدار كي لا تتعرض للمضايقة بالسؤال (أنت شيعي أو سني).

إلي متى ونحن نعيش حالة الرعب اليومي وإذا نظرنا لمن قال (كفي) كيف نُكل بهم وقُتلو أو تم سجنهم بحجة أمن الوطن.

إلى متى ونحن نحمل أوراق ثبوتية لا تحمينا في أوطاننا وتشكك في ولائنا ورغبتنا بالعيش الكريم وأن نشعر بأننا مواطنين بدون درجة.

18/4/2011م

الاثنين، 4 أبريل 2011

السلطة الخليفية في مواجهة إستحقات دوّار االلؤلؤة وساحة الفاتح


جمعتني بعبدالهادي خلف ذاكرة لا أستطيع نسيانها.. وذلك مع بداية انشاء مكتبة الطليعة في البحرين عام 1988 عندما أصدر كتابه المقاومة المدنية.. وقد أفتتح الكتاب شهية رجال الأمن لذين حاصروا المكتبة مرات ومرات.. والنتيجة، محاولة معرفة من وراء وصول الكتاب للمكتبة، لكنه رغم عن أنف الرقيب حينها توزع الكتاب وكان له حضور جميل، رغم أن الدكتور كان يتحدث عن التجربة السودانية في المقاومة..
وحينما التقيت بالدكتور عام 2001 في تجمع ضم الأصدقاء والرفاق المبعدين عن البحرين حينها،، تحدثنا مطولا عن التجربة والمقسنة بين الماضي والحاضر وبحرين 2001 وأذكر اليوم ما قاله لي.. ما يحدث كذبة كبيرة.. ولن أستطيع الدخول في نسيجها وستكشف السنوات القادمة هذه الكذبة..
2011 حطت التجربة كل ثقها والنتائج التي توصل لها عالم ومفكر اجتماعي مثل الدكتور عبدالهادي.. وفي هذه المقالة يؤكد على كل موقفه الوطني من تاريخ النضال








السلطة الخليفية في مواجهة إستحقات دوّار االلؤلؤة وساحة الفاتح

تمهيد


الدكتور عبدالهادي خلف

السلطة الخليفية من تذكير الناس بأن شرعيتها تستند إلى فتح البحرين العام 1783. إلا أن المسألة بالنسبة لها لا تنحصر في التذكير بحادثة تاريخية. ففتح البحرين يعني إن الأرض وما عليها ومن عليها هي غنيمة ذلك الفتح. وسيجد المتابعون كيف تثبتت السلطة الخليفية بعد فرض معاهدات الحماية البريطانية على البحرين. وكيف وفرت تلك الحماية, وبعدها ريع النفط, سداً واقياً للسلطة الخليفية أمام أية محاولة لزعزعتها أو حتى لتحديها

سيجد مؤرخو هذه الفترة الراهنة أن البحرين فُتحت للمرة الثانية يوم السابع عشر من مارس الماضي حين عبرت الدبابات السعودية الجسر نحو البحرين وعلى متنها جنود يرفعون أصابعهم بعلامات النصر. وشاهد الناس على وجوه الجنود السعوديين وهم يعبرون الجسر المؤدي إلى البحرين علائم النصر التي كانت تشع من وجوه أبطال العبور المصريين وهم يهزمون خط بارليف قبل أربعين سنة. وعرف المعتصمون في دوار اللؤلؤة وهم يتعرضون لرصاص جنود درع الجزيرة ودباباتهم في يوم الفتح الثاني العظيم ما تدرب عليه أؤلئك الجنود الأشاوس القادمين من السعودية وقطر والإمارات لتحرير القدس.

أقول سيجد المتابعون أوجه تشابه بين الفتح الأول في 1783 والفتح الثاني في 2011. ففي الحالتيْن إستطاعت العائلة الخليفية أن تبسط سيطرتها على البلاد بدعم مباشر من القبائل العربية الآتية من شبه الجزيرة العربية. وفي الحالتيْن تغنى الشعراء بهزيمة شعب أعزل. رغ التشابه في الظاهر فلا بد من ملاحظة أن الفتحيْن يختلفان في نتائجهما. ففي حين إستمر الحكم الخليفي لأكثر من 240 عاماً بعد الفتح الأول فليس هناك ما يضمن إستمراره طويلاً بعد الفتح الثاني.

بعد الفتح الأول جاءت الحماية التي وفرتها بريطانيا الإستعمارية. ثم جاءت الموارد النفطية وريوعها. وإستطاع هذان العاملان , بريطانيا والموارد النفطية, تثبيت الحكم الخليفي كما نعرفه. إلا أن القوة الحقيقية للسلطة الخليفية كانت تكمن فيما زرعته في نفوس الناس من أساطير إستبطنوها من موروث الفتح وجعلتهم عاجزين عن إزالة نتائجه. فمن جهة هناك من يرى فرصته في أن تقبله السلطة من جملة فداويتها أو ملاليها أو طباليها أوعبيدها على إختلاف مستوياتهم . ومن جهة ثانية هناك من لا يرى مخرجاً إلا بالصبر حتى ياذن الله بفرجه. ومن جهة ثالثة هناك غالبية الناس الذين لا يجدون لهم طاقة على مجالدة السلطة حتى وأن كانت هذه سلطة غاشمة, فللناس من مشاغل الحياة ما يكفيهم وليس لهم حاجة لمزيد.

أما الآن , أي بعد الفتح الثاني, فالوضع مختلفٌ تماماً وهو غير مستقر بل و يتجه إلى المزيد من التعقيد. فعلى الرغم مما يبدو على السطح من إحكام السلطة سيطرتها على الشارع بفضل القوات المسلحة السعودية وبمشاركة قوات أماراتية وقطرية فإنها تواجه تحديات جدية سياسية على الصعيدين المحلي والإقليمي. نعم لقد سيطرت على الوضع عسكرياً وأمنياً إلا إنها لا تسيطر عليه سياسياً. بل هي تواجه تحديات كبيرة ليس اعظمها أن قدرتها على ضمان سيطرتها العسكرية والأمنية مشروطة بإستحقاقات كبيرة لعدة أطراف محلية وإقليمية.

من بين العوامل التي تجعل نتائج الفتح الثاني مختلفة عن الأول سأشير إلى أمريْن لابد من دراستهما وتمحيص نتائجهما ومتابعة دورهما في صياغة مستقبل البلاد. وكلاهما حدثا قبل خول القوات السعودية والأماراتية والقطرية لإغاثة السلطة الخليفية.

أما الأول فهو جملة التطورات التي شهدتها البلاد منذ إندلاع الإحتجاجات في 14 فبراير وقيام القوات العسكرية والأمنية بإقتحام دوار اللؤلؤة في 17 فبراير. حين إستعاد المعتصمون الدوار تحول إلى مجال عام يجمع قوى المعارضة وجمهورها على إختلاف إنتماءاتهم السياسية والإجتماعية. عندها رأينا قوة التعددية السياسية التي تمتاز بها حركة المعارضة في البحرين. ففي دوار اللؤلؤة تجاورت شعارات إصلاح النظام مع شعارات إسقاطه أو إستبداله. ورأينا مناضلي الستينيات من اليساريين يناقشون شباب إنتفاضة التسعينيات و ناشطي حركة 14 فبراير دون أن تمنعهم من ذلك فتاوى التكفير أو تهم الظلامية. ولوحظت مشاركة واسعة لأناس لم يُعرف عنهم إهتمامهم بالعمل السياسي ولكنهم جاؤووا للتعبير عن تعاطفهم مع الناشطين في الحركة الإحتجاجية بعد سقوط الشهاداء ومئات الجرحى. ففي دوار اللؤلؤة أثبت المشاركون سقوط جدار الخوف. فلم يعد تجاوز ذلك الجدار عملاً من أعمال البطولة أو المغامرة أوالتهور بل صار جزءً من إعلان كل فرد من المتواجدين في الدوار أو المترددين عليه عن إسترجاعه أو إسترجاعها لكرامة أذلها القمع وإفتخار بعزة نفسٍ بددها الخوف.

والأمر الثاني هو تحويل ساحة جامع الفاتح في الثاني من مارس الى مجال عام جمع قوى الموالاة التي أسست تجمع "الوحدة الوطنية". ولوحظت مشاركة واسعة لكثيرين ممن لم يكن لهم إهتمام بالعمل السياسي ولكنهم جاؤوا للدفاع عن نظام وجدوه وحيداً في مواجهة ضغط المعارضة الداخلية وضغوط حلفائه الخارجيين. وكان ملفتاً تجمع الناس تحت رايات "لنا مطالب" التي رددها الخطباء الواحد تلو الآخر. نعم شملت المطالب بقاء نظام الحكم وعائلة آلخليفة وعدم الرضوخ لمطالبة المعارضة بإقالة الحكومة الحالية. إلا أن المطالب تضمنت أيضاً "تثبيت دولة الحقوق والواجبات للجميع" كما شملت المطالبة بتحسين ظروف المعيشة عن طريق "تفعيل القوانين والأنظمة التي تمنح قطاعات الشعب حقها كاملاً". أسارع للإشارة إلى أن ليس في الأمر ما هو جديد أن تجتمع جماهير الناس في ساحة من الساحات للدفاع عن ولاة الأمر في مقابل هجوم من "الطرف الآخر". فالفزعةُ جزءٌ ثابتٌ ومستقرٌ من موروث الفتح التي تغذيه السلطة بمكرماتها الدورية. ولقد رأينا فوعات مثلها في أثناء كل هبة و إنتفاضة في تاريخنا الحديث. إلا أن الجديد في ما شهدته فزعة ساحة الفاتح إنها كانت فزعة مشروطة.

تجد السلطة الخليفية نفسها لأول مرة أمام تغييريْن لم تواجههما من قبل معاً. ففي دوار اللؤلؤة السلطة واجهت جمهورأً تعودت على تمرده على سلطتها ولكنها تعودت أيضاً قمعه بحد السيف أو على تهدئته بإستخدام الوسطاء الوجهاء بمن فيهم رجال الدين ليردد معهم أن هذا قضاء الله الذي لا مفر من الصبر عليه حتى يأتي فرجه. إلا إن السلطة فوجئت أن هذا الجمهور صار لا يخاف السيف الذي أشهرته السلطة عليه في 17 فبراير ولا هو يرى نفسه قادراً على الصبر وقد طفح الكيل مرة بعد مرة. وهي فوجئت كما فوجي غيرها بأن أغلب جمهور الدوار لم يعد يرضى بأن يضع مصيره في أيدي غيره. وحتى هؤلاء يريدونعكم ما كانت لجدي في أن تقود شباب الدوار بعيداً عن منازلة السلطة. فلم ينفع السلطة كل ما لديها من سطوة على الوجهاء والوسطاء الذين يخدمونها حين تحتاج إلى تهدئة الناس.

وفي ساحة جامع الفاتح رأت السلطة جمهورها الذي تعودت منه أن يدعمها كلما نادى المنادي بالفزعة. إلا إنها وجدت نفسها تقبل على مضض أن تراه لا يفزع إلى نصرتها إلا بشروط. نعم لا يشك أحدٌ في أن أغلب هذا الجمهورلا يجد غضاضة في طاعة ولاة الأمر, فذلك جزء كما يقول الملالي من واجباته في طاعة الله. ألا أن جمهور الموالاة لم يعد كما كان تجمعاً محصوراً في فداوية العائلة الخليفية أو بعضاً من طباليها أوملاليها أو من لم يُعتقوا من عبيدها على إختلاف مستوياتهم. فجمهور الموالاة كما رأيناه في ساحة الفاتح يضم أيضاً نفس الناس الطيبين الذين يضم أمثالهم دوار اللؤلؤة. أناسٌ يريدون ما يريده كل الناس العاديين أي أن تتغير الأحوال ليحصلوا على نصيبهم من خيرات البلاد ومواردها. وحتي فداوية العائلة الخليفية ومن لف لفهم تبينوا أن العائلة الخليفية في أزمة حقيقية وإنها في حاجة لهم الآن أكثر من أي وقت مضى. فصار هؤلاء يريدون ترجمة عبارة "فداوي الشيخ شيخ" إلى مردود مالي وسياسي. وصار حقاً لهم أن يضعوا عليها شروطا. ولهذا رأيناهم يقودون الجموع في ساحة الفاتح وهو يرددون نعم نعم لولاة الأمر ولكن لنا مطالب.

لقد تغيرت البحرين في دوار اللؤلؤة وتغيرت أيضاً في ساحة جامع الفاتح. ولهذا نرى السلطة تسعى جاهدة في سبيل إعادة عقارب الساعة إلى الوراء. أي إلى ما قبل الرابع عشر من فبراير من جهة وإلى ما قبل الثاني من مارس من الجهة الأخرى

للموضوع صلة

يتبع هذا التمهيد مقالان متداخلان ثم خاتمة أحاول فيهم أن أرصد جهود السلطة التي تعول على قدرتها ليس على وقف عجلة التاريخ فحسب بل على إعادتها إلى الخلف. ولهذا نراها تعول على أن نجاح جهودها سيعيد بناء حاجز الخوف في البلاد كما سيعيد إحياء موروث الفتح وسردياته. إلا إن هذه الجهود , كما سيتبين, لن تؤدي إلى إنفراد لأنها تعتمد على نفس الإستراتيجيات التي أوصلت البلاد إلى ما فيه من أزمة مستحكمة أمنياً وسياسياً.

يوم إستشهاد حسن جاسم مكي الكرزكاني


السبت، 2 أبريل 2011

مثقّفو الخليج خارج التاريخ

مثقّفو الخليج خارج التاريخ
كارلوس لطوف ـ البرازيل
ثورة اللؤلؤ التي حاصرها «درع الخليج»، كشفت عن ضياع النخب بين أبواق السلطة وليبراليّيها، والطائفيّين والإسلامويين، والعلمانيّين السطحيّين، والمتردّدين. النتيجة غياب الموقف الإنساني بحدّه الأدنى.

بدر الإبراهيم
يمكن وصف موقف المثقفين الخليجيين حيال ما يحدث في البحرين بالمخيّب. ومع أن بعضهم انحاز لمبدأ الحرية ورفض القمع والمجازر التي ترتكب بحق أبناء البحرين، إلا أنّ شريحة واسعة لم تفعل ذلك بطريقة أو بأخرى، وآثرت إما دعم الآلة القمعية، أو الصمت والتفرج على سفك الدماء. الحديث هنا عن أربعة أصناف من المثقفين الخليجيين بحسب مواقفهم تجاه الأزمة. وهذه الأصناف ليست منفصلة بعضها عن بعض بالضرورة. فقد تتقاطع بعض الحسابات. والمحصلة غياب الموقف المندد بالجرائم التي ترتكب في البحرين ضد الإنسانية.

الصنف الأول يمثله مثقفو السلطة وأبواقها. وهؤلاء لديهم خطاب مفهوم واضح يرتكز على دعم العمل الأمني والعسكري بحق العزّل بحجة مواجهة «المد الفارسي» و«الأطماع الصفوية». يمارسون بهذا وظيفتهم في التعبئة التضليلية، ولا يجدون غضاضة في وصف الحركة الشعبية ومن فيها بالعمالة لإيران، مصوِّرين مطالب الحرية والكرامة والملكية الدستورية على أنها خطة إيرانية للسيطرة على الخليج. هذا الصنف لا يتوقع منه انحياز لمبدأ إنساني... فالإنسانية ضاعت عند تسليم القلم للأجندة السياسية.

الصنف الثاني هو مجموعة المثقفين من أصحاب النفَس الطائفي. هؤلاء في معظمهم من ذوي الميول الإسلاموية، يختلفون عن أصحاب الفكر الوهابي الإقصائي في محاولتهم الظهور بمظهر الاعتدال. لكنهم ينكشفون في أوقات الأزمات، ويبدأ النفس الطائفي في التسلل من ثنايا خطابهم حتى تزكم رائحته الأنوف.
قد تشاركهم في ذلك مجموعة من ليبراليي السلطة وعلمانييها الذين لا يعرفون من الليبرالية أكثر من نقد «المطوع»، وتحريض السلطة عليه. يتفنون في الحديث عن الشيعة والسنة ويربطون ما يحصل بإيران وأطماع العمائم السوداء الصفوية، لكنهم يحفظون «الود» بجملة تَحَفُّظ تُحذِّر «الإخوة» الشيعة في الخليج من الانسياق وراء المخططات الصفوية. في المحصلة، يذهب الطرفان إلى تصوير الشيعة الخليجيين كجاليات إيرانية و«طابور خامس». وبالتالي، فالقمع والقتل هنا لهما، ما يبررهما من منظور ديني أو وطني.

الصنف الثالث يمثله أصحاب التحفظات الأيديولوجية، وهم من يؤمنون بمفاهيم علمانية، ويعيشون تحت عبء هاجس وصول الجماعات الدينية إلى السلطة عن طريق صندوق الاقتراع سابقاً، والثورات الشعبية حالياً. لذا، يقدمون التحفظ الأيديولوجي على الانحياز المبدئي للحريات والخيار الديمقراطي. هكذا يترددون في تأييد ثورة مصر خوفاً من تمكين الإخوان. وفي البحرين يخشون جماعة «ولاية الفقيه»، فيؤثرون الصمت أحياناً، والتنديد بتلك الجماعة أحياناً أخرى.هذا الصنف من المثقفين يعشق الديموقراطية حين توافق مزاجه الفكري والشخصي، ويرفضها حين تأتي بخصومه. وهو هنا لا يمارس انتقائية فكرية فحسب، بل يزيد عليها تعالياً نخبوياً على المزاج الشعبي وخيارات الناس. فيما نرى المطالب بدولة مدنية في التظاهرات تعبر عن خيار الناس، بمن فيهم الجماعات الدينية التي تعي صعوبة تطبيق الدولة الدينية في البحرين.

الصنف الرابع يمثله أهل التردد الذين لا يرغبون في اتخاذ موقف. وهؤلاء ــــ إذا افترضنا حسن النية ــــ يرهبهم الحديث الطائفي، ويحاولون إمساك العصا من المنتصف، وانتقاد اللغة الطائفية السائدة بكلمات عامة، متجاهلين أن الانقسام سياسي بين متطلعين للحرية وسلطة قمعية، وأن النخبة الحاكمة تصرّ على مذهبة القضية، وبناء الحياة السياسية على الطائفية. لذلك هي من يجب أن توجه لها الإدانة المباشرة بالطائفية.

لقد سقطت هذه النخب مرتين. مرة حين تعالت على هموم الناس لتتفرغ لنقاشات عقيمة. ومرةً أخرى حين تجاهلت قمع الناس أو حرّضت عليه، بحجة مواجهة الخطر الفارسي. لذلك سيبقى هؤلاء منفذين لأجندات محددة أو مهمشين. في ظل اللغة الهجومية التي اختلط فيها خطاب الشوارع الطائفية بخطاب النخبة المثقفة ضد الثائرين في البحرين واتهامهم بالعمالة لإيران، خرج النائب الموالي للحكومة جاسم السعيدي ليقول إنّ البحرين جزء من السعودية، ويكشف بصمت تلك النخبة عن حديثه حجم الكذب باسم السيادة الوطنية.
«عملاء إيران» من أبناء البحرين، سنّة وشيعة، يصنعون التاريخ. فيما يقف مثقّفو اللاإنسانية موقف الخزي والعار أمامه.

(السعودية)
ادب وفنون
العدد ١٣٦٧ السبت 19 آذار2011